الأحد، 27 سبتمبر، 2009

رحيلٌ على غير العادة ..




حين عزمنا على السفر كان القرار أن مدة بقائنا هناك ستكون فقط عشرة أيام ..


لكن ..

هل للقلوب أن تكتفِ من لذة الزيارة ؟؟

هل للعيون أن تشبع من النظر إلى البقيع والقبة الخضراء ؟؟

هل للروح أن تفارق مسكنها وترحل عن صلاة بالروضة حتى وإن كانت ركعتين ؟؟


لم يستوعب عقلي ذلك بعد تصرم الأيام ..

فكنت حين نجتمع على وجبة الإفطار أسألهم :

متى سنغادر ؟؟

الجواب : يوم الثلاثاء ..

ومتى سيعود أبي إلى عمله ؟؟

.. يوم السبت ..

إذن لما نرحل مبكراً.. يكفي أن نغادر يوم الاربعاء لنصل الخميس ..

ويرتاح أبي يومي الخميس والجمعة ثم يعود لعمله..

...لالالالالالا نريد أن نعود ..

وإن ..لنا أن نخرج من المدينة بعد صلاة المغرب ..

ما بهـــــا ..((تتشرط)) وكأن الأمر على هواها أو بيديها ..


طبعاً الكلام موجه لي..

لا يعلمون مابي من حبٍ للبقاء ..

لايعلمون أي ألم سيجتاح كياني حين أرحل عن ديار وهبت روحي الأمان..


وتسارع الزمن ..حتى وصل لنقطة النهاية .. ساعة الصفر ..


استيقضنا من النوم ..الوقت متأخر ..لابد أن نستعد بسرعة ..


أخرجنا الحقائب قريباً من الباب الخارجي ..

وإذا بأمي عائدةً من الحرم الشريف ..

ماهـــــــــذا ؟؟

قلنا : لم يبقَ وقت سيعود أبي لنغادر..

قالت : إن أباكم مع أختكم الصغرى في المستشفى بسبب نوبة مرض التكسر

ولا نعلم متى سينتهي علاجها حتى نسافر .. ربما ليلاً وربما غداً ..

ومضت الساعات ..

كانت تحمل بين طياتها فرحٌ لي حيث شاء الله أن يكون لي يومٌ آخر بجوار حبيبه محمد ..

( اللهم صل على محمد وآل محمد وعجل فرجهم )..


لــــــكن ..

الألم يزداد بأختي ..

أبي أنتقل بها من مستشفى لآخر ..

حتى تم تنويمها بأحد مشافي المدينة المنورة ..

ثم عاد ليأخذ أمي لمرافقتها هناك ..


سكونٌ يجتاح مسكننا ، أنظارٌ تترقب الحدث ، عقولٌ تفكر بمـــــــــاذا بعد؟؟!


أعتقد أننا جميعاً كنا نتقلب فقط على أسرتنا .. فكيف ننام وعين الأسرة تغيب عنا ..

أمي ... ليس لنا مفارقتك في بيتنا فكيف ونحن في غربة السفر ؟؟!



حتى جاء الصباح .. أخبرنا أبي بقراره ..أنه لابد لأحدنا أن يعود مع أحد الحملات

حتى يبقى المقعد الخلفي لسيارتنا فارغاً لأختي وتتسنى الراحة لها فيه ..

ثم يعود الجميع إلى الأحساء .


بحث لنا عن حجز بالحملات لم يجد .

إذن سيجرب حلاً آخر ..

سيحجز لها عن طريق الخطوط الجوية فذلك أكثر راحة لها وأسرع للوصول إلى مستشفى آخر بالأحساء ..

وأيضاً لم يجد ..


وبعد عودتنا من صلاة الظهرين في الروضة المحمدية ..كنا نستعد لتجهيز وجبة الغداء ..وأبي عاد من جديد يبحث عن حجز بأحد الحملات ..


دقائقٌ معدودة وإذا باتصال من أبي ( أنت وأخوك استعدا للسفر الآآآآآآآآآآآآآآآآآن )..


ليس هناك مجال لقول (لا) فالوضع لا يحتمل ..


لم أتخيل ذلك لكني وبكل صمت ارتديت عباءتي وحملت حقيبتي اليدوية ..

لم يكن هناك مجال لأحمل معي أية أغراض حتى ما كان يخصني ..


أخواتي ..لم يتسنَ لي توديعهم .. فالكل مشغول وخروجي كان سريعاً


ابتسمت قبل خروجي وكأن الأمر طبيعياً ..

لــــــــكن ..


بعد أن أوصلني أبي للباص واتخذت مقعدي منه مر بفكري كل شيء ..

أبي لم أودعه فقد كان متوتراً جداً وفكره مشغول بين سفري انا وأخي وبين أختي وأمي بالمستشفى ..


ألمي كان عدم رؤيتي لأمي ..


هنا .....أذرفت كل مالدي من دموع ..

أحسست بألم يكتم أنفاسي ..

كيف .. رحلت عن أهلي مع أُناس لا أعرفهم وليس من بلدتي ..
أجمل شيء فعله السائق ..أنه وقف أمام أسوار البقيع ينتظر أحد الركاب ..
وكانت فرصتي في الوداع ..
أطلت النظر به وكأن عيناي لاتحوي سواه ..والمكان فارغاً من حولي ولا يوجد شيء بها سوى قبور البقيع..
وسيل الدموع ..


أود تمالك أعصابي وأكون قوية أمام تجربتي ..لكنها تجربة فريدة من نوعها ..


خاطبتني إحداهن : لما البكاء فالأمر طبيعي ..ها أنا سافرت ذات مرة دون أهلي ..

قلت لها: كان ذاك باختيارك ورضاكِ ..وكنت مطمئنةً على أهلكِ لكني غادرت تاركةً أمي مع أختي بالمستشفى ..


أحسست أن لا أحد يفهم ما بجوفي ..الكل يقول (( كلها يوم واحد ويرجعون أهلكِ ))..


أكف عن بكائي دقائق لكن سرعان ما أعود حين يكلمني أي شخص ويسأل عن أختي..

دموعي كانت ترجماناً لمافي قلبي وهوضياع مشاعري بين الـ ( أنــا ) و ( هي )..

أفكر بغربتي بين البشر وبوحدتي حين أعود لمنزلنا .. وأفكر بـ ( هي ) متى ستتعافى وتغادر المشفى ..


كنت أبحث عن أنيس أحدثه لكن بطارية جوالي على وشك الانتهاء .. ولم أحضر الشاحن فسأحافظ على ماتبقى منها حتى أهاتف أخي الأكبر فور وصولنا الأحساء ..


الباص شديد البرودة لكن لا من غطاء لدي فلابد أن اتحمل ذلك ..

افتقدت وسادتي التي كثيراً ما كانت تبرئ جراحي حين أضمها لصدري ..


مضت الساعات ..وأنا أراقب الطريق علَّه يمضي سريعاً

لكن غضبت حين رأيت الساعة الثالثة صباحاً ونحن لم نصل لمنطقة الرياض ..

(( يا الله بنتحر شهالطريق اللي مايخلص ))


المهم ..


عدت لأحسائي ..ارتشفت نسماتها ..

أيقظت مابي من شوق لها .. لا أملك حين أراها سوى أن أبتسم ..

لكن بسمتي ينقصها وجود أهلي معي ..


دخلت المنزل ..تجولت بغرفنا ..تخلو من سواي ..فلا أطيق البقاء بها ..

بقيت في الدور السفلي ..

أشغلت نفسي بما يحتاجه المنزل من تنظيف وغيره ..

هاتفت من لهم بصمات في راحة نفسي ..

آنستني كثيراً .. لها شكري من أعماق قلبي ..


جاء اليوم التالي .. وعادوا أهلي وقرَّت عيني ..
لن أنسَ ابتسامة أبي حين رآني ..
أحسست أنها مملوءة بالحنان ..



..
الآن قضينا يومين ..

عاد المرض لأختي ..

عدنا بها إلى المشفى ..

الآن بقيت هناك ..لكن ليس معها مرافق ..

أسال الله أن يلبسها ثوب الصحة والعافية ..

ودام الجميع سالماً ..

هناك تعليقان (2):

  1. أسأل الله ان يلبسها ثوب الصحة و العافية
    اللهـم آمييييين يارب

    فعلا السفر من غير الاهل او المكوث في البيت لوحدك
    و احساس بفقدان قرة عينيك شعور صعب
    خاصة لو مكنتيش متعودة على فراقهم
    بيكون اصعب
    عليكي وعليهم
    ربنا ما يفرقكم أبدا يارب

    والألم مبيحسش بيه غير صاحبه
    تحيــاتي

    ردحذف
  2. زيــارة مقبولة غاليتي
    وعوداً حميداً

    مشاعرك .. تعايشتها معك
    فأنا أفهمك جيداً :)

    لا بأس حبيبتي
    تمر علينا لحظان نجبر على أمور لانودها


    دعوتنا بالشفاء العاجل لاختك العزيزة

    دمتِ بود

    ردحذف